اسد حيدر

155

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

يعني بذلك بني علي وبني العباس « 1 » . فترى المهدي يتزاحف من صدر مصلاه حتى صار على البساط إعجابا بما سمع وتقديرا لموهبة هذا الشاعر . . ثم قال له كم بيتا هي ؟ قال : مائة بيت ، فأمر له بمائة ألف درهم . وناهيك بما في هذا العمل والتشجيع من الخليفة وأثره في نفوس العامة ، ولا شيء أملك للنفس من عطف الأمراء وتوددهم للأفراد بما تميل طباعهم إليه إلّا من أحبّه اللّه ووقاه . دخل رجل على الرشيد فقال : لقد هجوت الرافضة ، قال : هات فأنشد : رغما وشمسا وزيتونا ومظلمة * من أن تنالوا من الشيخين طغيانا قال الرشيد : فسره لي . قال : لا ، ولكن أنت وجيشك أجهد من أن تدري ما أقول . قال : واللّه ما أدري ما هو . وأجازه . ويقف مروان بن أبي الجنوب فينشد المتوكل شعرا ينال فيه من آل علي ويذم شيعتهم ، فيأمر المتوكل بأن ينثر على رأسه ثلاثة آلاف دينار ، ويأمر ولده سعد ألا يتأنى بالتقاطها له ، ويعقد له على إمارة البحرين واليمامة ويخلع عليه أربع خلع « 2 » . هذا بعض ما أبدته السلطة في مقاومتهم وتشجيع خصومهم ، ولكنه عمل لم يثمر أي شيء . فآل محمد لا تستطيع أي قوة إخفاء ذكرهم أو محو آثارهم ، فهم في كل زمن أعلام هدى ، ودعاة صلاح وذكرهم يتجدد كلما تحرر الفكر وازدهر العلم . والمنصف إذا نظر إلى انتشار مذهب أهل البيت في الأقطار الإسلامية ، كالعراق ، والحجاز ، ومصر والشام والأندلس والهند وإيران ، والبحرين والقطيف وغيرها ، يرى أن ذلك الانتشار إنما كان بحسب ذاته ولياقته وقيمه الروحية ، مع شدة مقاومة السلطات فكلها تتصف بالعداء له ووقفوا دون انتشاره مواقفا خانهم النجاح فيها ، وسيتضح كل ذلك عند دراساتنا لنشأة المذاهب الإسلامية وعوامل انتشارها ، وها نحن ننتقل بالقارئ الكريم إلى البحث عن نشأة المذاهب واللّه ولي التوفيق .

--> ( 1 ) الخطيب ص 13 ص 144 . ( 2 ) ابن الأثير ص 7 ص 38 .